حسن الأمين

180

مستدركات أعيان الشيعة

وليت فلم تشتم عليا ولم تخف بريا ولم تقبل إشارة مجرم ( 1 ) وكانت فترة حكم عمر بن عبد العزيز مناسبة لكثير ليظهر مدى إيمانه بال البيت يقول : لعن الله من يسب عليا وبنيه من سوقة وإمام أيسب المطهرون جدودا والكرام الأخوال والأعمام يأمن الطير والحمام ولا يأمن آل الرسول عند المقام رحمة الله والسلام عليهم كلما قام قائم الإسلام ( 2 ) ورثى صديقه خندق بن مرة الأسدي الذي قضى قتلا لاتهامه ظلما بالتعرض للشيخين ومما قاله فيه : فلو فوديت من حدث المنايا وقيتك بالطريف وبالتلاد لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي ( 3 ) ومهما يكن من أمر فإنه من الصعوبة بمكان إخضاع كثير لمفاهيمنا المعاصرة بالالتزام العقائدي فبينما نجده يكن في ضميره حب أئمته آل البيت نرى لسانه يلهج بمدح غاصبي حقهم . وهو وإن لم يدع مناسبة تفوته ليعبر فيها عن مكنونات ضميره فإنه لم يدع مناسبة أيضا تفوته ليكسب مالا أو حظوة من أصحاب السلطان في عصره الذين عرفوا كيف يفيدون منه ومن أمثاله في الترويج لسلطانهم مع قناعتهم بأنه يقول بلسانه ما لا يؤمن به في قلبه . كثير الشاعر مصادر شعره : من المرجح انه كان لكثير ديوان بخط يده . فقد كان راوية جميل بثينة وكان يجيد الكتابة . فإذا صح أنه كان يعني بحفظ ورواية شعر جميل فإنه من باب أولى أن يعني بجمع شعره هو . وقد ذكر أبو الفرج أن ولد جمعة بنت كثير قال : وجدت في كتب أبي التي فيها شعر كثير أن عبد الملك بن مروان قال لكثير : ويحك الحق بقومك من خزاعة ( 4 ) . . مما يسمح بالظن انه كان عند زوج ابنته صحف تضم شعره . ويذكر الأصفهاني أيضا ان عبد الله بن أبي عبيدة المتوفى منتصف القرن الثالث الهجري كان يملي شعر كثير بثلاثين دينارا . ( 5 ) وذكر ابن القيسراني المتوفى 507 هإن أبا علي القالي قال وشعر كثير بن عبد الرحمن الخزاعي : تام جزءان قرأتهما على ابن دريد . ( 73 ) الأنساب المتفقة : 191 . وقد ذكر هنري بيريس أن ابن السكيت ومحمد بن حبيب قد جمعا شعر كثير . وقد المح إلى شرح ابن السكيت جرجي زيدان أيضا . ( 6 ) ومهما يكن من أمر فان نسخ الديوان لم تصلنا وكذلك المؤلفات التي تناولت اخبار كثير وأهم مجموعة من شعر كثير التي بين أيدينا الآن هي ما جمعه هنري بيريس من مصادر كثيرة وقد جعله في جزءين وسماه شرح ديوان كثير عزة ونشره في الجزائر عام 1928 . ومجموعة بيريس لم تحو كل ما لكثير من شعر يدل على ذلك القصائد التي رواها محمد بن المبارك في منتهى الطلب وهي ست عشرة قصيدة معظمها لا توجد في مجموعة بيريس ( 7 ) كما ذكر بروكلمان وجود قصائد متفرقة لكثير في برلين ومانشستر ( 8 ) موضوعات شعره : معظم ما وصلنا من نتاج كثير يدور على غرضين الغزل والشعر السياسي الذي يشتمل على شعره الشيعي الذي عبر عن إيمانه بحق آل البيت في الخلافة وهذا الشعر يمثل المرحلة الأولى من حياته السياسية . أما المرحلة الثانية فتبدأ منذ انتقاله إلى بلاط عبد الملك بن مروان حيث أعلن ما يتناقض عقيدته الأولى مؤيدا بني مروان متجاوزا حد التقية التي تبيح له ان يخفي ما يعتقد فحسب دون ان يجاهر بخلافه . إضافة إلى هذين الغرضين فقد طرق أغلب أغراض الشعر في عصره كالوصف والفخر والهجاء والرثاء والحكم . ولكن هذه الأغراض لم ينظمها قصائد مستقلة وإنما نجدها مبثوثة بين الغزل والسياسة . الغزل العذري زكي مبارك على الرغم من تحامله على كثير إذ يرى فيه شيعيا مفرطا في التشيع إلى حد السخف لا يلبث ان يقول إنه من العناصر الأساسية في تكوين شخصية كثير عنصر العشق وكان امتحن بهوى عزة بنت جميل . ثم ينقل عن أبي الفرج قوله : على أنه قد قيل إنه كان في ذلك كاذبا ولم يكن بعاشق ليضيف : ليس من العسير ان ندرك ان اتهام كثير بالكذب في العشق لم يكن إلا صورة جديدة من صور السخرية منه والتحامل عليه . وهو خلافا لطه حسين يذكره بين العشاق ليثبته بينهم إذ ان كثيرا حسب رأيه أعز الحب أكرم الإعزاز وصيره من الشرائع وتحدث عن آدابه أجمل الحديث وسارت قصائده في الحب مسير الأمثال ( 9 ) ولا ريب أن أجمل صفحة في حياة كثير هي التي تصور قصة حبه لعزة . وعند ما نقرأ الشعر الذي أنشده فيها نجد امامنا قصة من أصدق قصص الحب العذري فقد كان هذا العاشق ذا قلب مرهف الاحساس وكان فوق ذلك شاعرا فصيحا فلا يكاد يختلج في جنانه شعور من مشاعر الحب حتى يطفح على لسانه شعرا . وشعر كثير في الغزل يندرج في السياق العام لشعراء الغزل العذري فهو يعبر عن ألم الفراق ومكابدة الأشواق على أنه لا يشفق من فراقها بقدر ما يشفق من تغيرها بعده : ألا ليت شعري بعدنا هل تغيرت عن العهد أم أمست كعهدي عهودها إذا ذكرتها النفس جنت لذكرها وريعت وحنت واستخف جليدها اما هو فيعاهد نفسه على أن لا يغدر بعد المواثيق والعهود : لا تغدرن بوصل عزة بعد ما أخذت عليك مواثقا وعهودا أن المحب إذا أحب حبيبه صدق الصفاء وأنجز الموعودا ويعزف كثير في قصائده ومقطوعاته الغزلية ألحان الثبات على الحب والصبر والحنين برغم بخل الحبيب وصدوده وهجرانه وحرمان الحبيب من لذات الوصال . والحنين والصبر رغم الحرمان هما آية العفة والصدق في الحب العذري . ولكن هذا لا يحول بين الشاعر وبين الشكوى : أفي الحق أن قلبك سالم صحيح وقلبي من هواك سقيم وان بجسمي منك داء مخامر وجسمك موفور عليك سليم ( 10 )

--> ( 1 ) منتهى الطلب 3 : 341 . ( 2 ) الحيوان 3 : 194 . ( 3 ) الأغاني 2 : 178 . ( 4 ) الأغاني 9 : 11 . ( 5 ) الأغاني 9 : 5 . ( 6 ) تاريخ آداب اللغة العربية 1 : 334 . ( 7 ) منتهى الطلب 3 : 348 . ( 8 ) تاريخ الأدب العربي 1 : 196 . ( 9 ) العشاق الثلاثة : 50 ، 54 ، 55 . ( 10 ) منتهى الطلب 3 : 169 .